خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ
٣
قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٤
-الأنبياء

تيسير التفسير

{لاهية} عنه حال سببية من أحدى الواوين وقوله: {قُلُوبُهم} فاعل لاهية، وأسند اللهى الى القلوب لأنها محل رسوخ الشر ومنبعه، يقال لهى عن الشىء بكسر الهاء يلهى بفتحها سلا عنه، وترك ذكره، ولو بلا نسيان، واستماع الآيات لا ينافى الغفلة المذكروة بقوله فى غفلة، وقوله: "لاهية" لأنها تعقب الاستماع، أو نزل شعورهم منزلة العدم، أو لاهية بمعنى تاركه، ولم اقل لاهية من اللهو بالواو، ولأن قبله يلعبون، والتأسيس أولى، نعم يجوز على معنى يلعبون بجوارحهم وألسنتهم، مع رسوخ موجب اللهو فى قلوبهم، ومعنى الإحداث أنه يحدث نزوله شيئا فشيئا وعظاً وتذكيراً، وليس المراد بالحدوث الذى تضمنه الإحداث نفى القدم، لأن المقام ليس لذكر حدوثه، ونفى قدمه للمشركين، وهو حادث لا قديم، والله الذى لا إله إلا هو، إلا أن الآية لم تنزل لذلك، ولا يصح لعاقل، أن يقول بقدمه، لأنه مركب حال فى ألسنتنا، والقدم لا يحل فى الحال.
ولا يصح لمنصف أن يقول ألفاظ القرآن ترجمة للقرآن الذى هو الكلام النفسى، لأنه مناقض لنصوص القرآن، والأحاديث أن هذه الألفاظ هى القرآن، ولا يصح لمن صح إيمانه أن يثبت الكلام النفسى، لأن فيه اعتقاد أن الله ظرف، وأن متحيز، وحال، وتعدد القدماء حاشاه عن ذلك، بل نصف الله بالعلم، وننفى عنه كل شبه بالمخلوق، ويضعف ما قيل من أن الذكر الرسول، ومن أنه يداله قوله عز وجل: {هل هذا} لأن قوله:
" { إلا استمعوه } " [الأنبياء: 2] ينافيه إلا بتأويل إلا استمعوا قوله، أو إلا استمعوا له، ويقال: رب غافل عن الحساب لاستغراقه فى دنياه، وإعراضه عن مولاه، ورب غافل عن الحساب، لاستهلاكه فى مولاه، وإعراضه عن دنياه، فهو يفيق برؤية المولى، والأول إنما يفيق فى عسكر الموتى، ومعنى رؤية المولى إحضارعظمته.
{وأسَرُّوا النَّجْوى} اسم مصدر وهو التناجى، أى الإسرار بينهم، أو اسم للكلمة المسرورة، وعلى كل حال المعنى زادوا للإسرار إسراراً، وبالغوا فيه بكل ما أمكن، حتى إنَّهم لا يتناجون بحضرة من يراهم أو أسروا بمعنى أظهروا، أى أظهروا ما كانوا يخفونه كقول الفرزدق:

فلما رأى الحجاج أظهر سيفه أسر الحرورى الذى كان أغمرا

والأصل خلاف هذا، ويحتمل البيت معنى نطق بما فى قبله سراً {الذين ظلمُوا} بدل أو بيان من واو وأسروا المحذوفة للساكن، أو أو فاعل أسروا، وواو أسر حرف علامة للجمع على لغة: يتعاقبون فيكم ملائكة، وهى لغة شهيرة لا شاذة، أو مبتدأ أسروا النجوى، كقوله قام أبوه زيد، زيد مبتدأ قام أبوه خبر، أو يقدرهم الذين، أو يقول الذين أو أعنى الذين، أو أذم الذين ويبعد إبداله من الناس، أو جعله نعتا له، وأظهر الذين ليذمهم بصلته.
{هَلْ هذا إلا بشَر مثْلُكم أفتَأْتُون السِّحْر وأنْتُم تُبصِرونَ} مفعول لقول مقدر فى جواب سؤال ماذا قالوا فى إسرارهم لنجوى، أو مفعول لأسروّا، لأن فيه معنى القول أو للنجوى بمعنى التناجى على إعمال المصدر المقرون بأل، واسمه عمل ألفعل، أو يقدر فقالوا: هل هذا الخ بعطف القول المقدر على أسروا، أو يقدر قالوا بلا عاطف، على أنه بدل من أسرّوا، أو ذلك بدل من النجوى بلا تقدير قول، والمعنى أسروا هذه الجمل، والفاء فى "أفتأتون السحر" عاطفة على محذوف، أى أتظنون عن دينكم فتأتون، أو أتتركون دينكم فتأتون، المحافظة عندى على عدم تقديم ما بعد العاطف وهو الهمزة بتقدير الجملة أولى، فلا تقل كابن هشام، ألا ترى أن الحذف كثير لا تعد كثرته، ولا تقصر على السماع إلا عند قيام المانع، والاستفهام هنا للإنكار، وأنتم تبصرون حال من واو تأتون مقررة الإنكار، أى كيف تذعنون له مع أنه بشر، والبشر لا يكون نبيا، بل المَلَك يكونه.
ويبعد ما قيل: إنهم أسرّوا ليقولوا له صلى الله عليه وسلم: إنك كنت نبيا فخبرنا بما أسررنا، لأنه دليل له، ولا يناسب المبالغة بأسرُوا، ولا بـ {أفتأتون السحر} ولو ناسب قوله تعالى: {قال ربِّى يعْلَم القول فى السماء والأرضْ} إلا أنه لم يقل قال ربى يعلم السر فى السماء والأرض، لأن القول أعمّ من السر لشموله الجهر، ففى ذكر القول تعميم للسر والجهر، وإيذان بأنهما عنده سواء، وأنه يعلم الأخفى أيضا كما ذكر عنهم الإخفاء فى قوله: " وأسروا النجوى" كأنه قال: قل يا محمد ربى يعلم هذا الضرب من السر، وما هو أخفى، وفى السماء حال من القول، أو متعلق به، أى يعلم ما قيل فى السماء والأرض، والقول بمعنى المقول، والمراد فى السماء والأرض وغيرهما، او خصهما بالذكر للظهور، أو المراد بالسماء والأرض جهة العلو والسفل مطلقا، وشمل السموات والأرض {وهُو السَّميع} العليم بالأصوات {العَليمُ} بغيرها أيضاً، ودخل فى ذلك أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فهو يجازيهم عليها، ولا يترك منها شيئا لخفائها إذ لا يخفى عنه شىء.