خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ
٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
٥
-الحج

تيسير التفسير

{كُتِبَ عليْه} أى على الشيطان {أنه} اى الشأن أولى من عوده إلى الشيطان {مَنَّ} شرطية، والمقام للعموم كمنا هو شأن الشرطية لا موصولة، لأن أصلها العهد، وللاحتياج الى زيادة الفاء {تولاَّه} المستتر لمن، ولاهاء للشيطان أى اتبع الشيطان، واتخذه ولياً أو بالعكس، أى صار الشيطان والياً عليه غالبا له {فأنه} أى الشيطان {يُضلهُ} عن الحق الذى هو طريق الجنة {ويَهْديه} يوصله {إلى عذابِ السَّعير} الىعذاب النار المسعورة، أى الموقدة، وجملة من تولاه الخ خبر أن، والمصدر نائب فاعل كُتب أى كتب عليه إضلال متوليه، أو متولاه وهداه إلى عذاب السعير، وجلمة كتب ونائبه نعت شيطان، ومعنى كتب قضى وقدر، أو كتب عليه بالحروف أنه من تولاه الخ أى رسم عليه الإضلال والإيصال الى النار كتابة لا يتخلف عما فيها، وأصل الهداية أن تكون الى خير فاستعمالها فى السوء استعارة تهكمية تمثيلية {يا أيُّها الناس} الكفار بإنكار تحققق البعث {إن كنُتْم فى ريْبٍ} شك {من البَعْث} من إمكان البعث، عبر بالريب مع جزمهم بالإنكار تلويحاً الى أن إنكار لوضوح دلاله، كأنه لم يكن، وليس فى شىء من الاحتمال، كما أن التصدير بأن، وتنكير ريب تلويح أن حقه أن يضعف، ويشك فيه عندكم لا أن ينكر، أو عبر بالريب مع جزمهم بالانكار تنبيها على أن جزمهم بالإنكار بمنزلة الشك الضعيف لقوة الدلائل، ومن بمعنى فى متعلق بريب، وعدل إيها لئلا تتكرر فى أو بمعنى لابتداء تتعلق بمحذوف نعت لريب، واستظهر أن المراد فى ريب من إمكان البعث، كما يدل له إثبات الإمكان فى قوله.
{فإنَّا خلقناكم من تُرابٍ} الخ واجيز أن يكون المراد فى ريب من وقوع البعث، واعترض بمخالفته لما اتصل به من إثبات الإمكان، وتكرره مع قوله:
" { وأنَّ الله يبعث مَنْ فى القبور } " [الحج: 7] ويجاب بأنه لا تكرر، لأن هذا شك منهم فى الوقوع، وأن الله يبعث من فى القبور، جزم من الله بالوقوع رداً عليهم، وأيضا لو تكرر لم يضر، لأن المراد التأكيد، والفصل، ولأن المعنى كيف تشكون فى وقوع البعث، مع أنه قد وقع خلقه لكم من تراب، والجملة تعليل نائب عن جواب الشرط، أى أخطأتم فى شككم، لأنا خلقناكم من تراب أن أصلهم الذى تكونوا منه من تراب وهو آدم، أو الأغذية التى تكونوا منها من تراب.
{ثمَّ من نُطْفةٍ} منى من النطف، وهو التقاطر، أو من قولهم للماء القليل الصافى نطفة، والمراد ما يشمل ماء الرجل وماء المرأة، ولو كان ماء الرجل أكثر، والمراد نطفة كل أحد، وزعم بعض أن المراد نطفة آدم {ثُم من عَلَقةٍ} قطعة جامدة من الدم، متكونه من النطفة {ثُم من مُضْغةٍ} قطعة من اللحم صغيرة قدر ما يمضغ تكونت من العلقة {مُخَلَّقةٍ} تعظم بعد فيكون إنسانها عظيم الجسم {وغير مُخَلَّقةٍ} يكون إنسانها صغير الجسم، أو التخليق إظهار أعضاء بعد أن كانت غير مظهرة كسائر الترتيب قبل أن تكون أولا غير متبينة الأعضاء، ثم تكون متبينة، وعلى هذا الأصل تقديم غير مخلقة على مخلقة، ولكن أخرت لكونها عدم وجود، والوجود أولى بالتقديم، والكلام فى إيجاد مالم يكن، والإيجاد فى مخلقة، وعبر بالتخليق لا بالخلق لكثر الأعضاء المختص كل واحد منها بخلق وصورة.
وقيل: المخلقة المسواة من النقص والعيب، يقال خلق السواك أو العود سواه وملسه، وصخرة خلقاء، وجبل أخلق أملس، فمن نطفته كذلك يخرج بدنه سوياً حسناً منظراً وخصلة، وما نقص فيها ينقص منهما، أو من أحدهما، وقيل المخلقة التى تمت مدتها فولدت، وغيرها ما سقطت، وليس فى الآية شرط الحياة، فهو مخلوق الصورة، نفخ فيه الروح أو لم ينفخ.
قال ابن مسعود: إذا استقرت النطفة فى الأرحام، أخذها ملك الأرحام بكفه، فقال: يا رب أمخلقة أم غير مخلقة، فإن كانت غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دما، وإن كانت مخلقة، قال: يا رب ذكر أم أنثى، شقى أم سعيد، ما الأجل، ما الأثر، وما الرزق، وبأى أرض تموت، ولا دليل فى هذا القول الأخير، لأن ما يقذفه الرحم دما لا يقال إنه مراد بالخلق فى قوله: {إنا خلقناكم} نعم، يقال من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والناقصة.
{لنُبيِّن لَكُمْ} اللام الأول متعلق بخلقنا وحذف المفعول للعموم، وهذا الحذف بمنزلة قولك، لنبين لكم ما لا تحصر، عبارة تفاصيله، ومن ذلك أمر البعث، والدلالة عليه بإنشاء حى بأطوار متوالد من تراب، وقد بعض لنبين لكم أمر البعث، ولا بأس به، وزعم بعض أن التقدير لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل المختار ولولا ذلك لم يصر بعض غير مخلق.
{ونُقِر فى الأرْحام ما نَشَاء} من الأجنة، والعطف على جملة مستأنفة محذوفة، والله أعلم، هكذا نخلقكم فى الأرحام ونقر ما نشاء {إلى أجل مُسمى} وقت الوضع وأقله ستة أشهر، وأكثره عندنا وعند الشافعية أربع سنين، وقال مالك: سنتان، وكذا الحنفية، وإذا تحقق أنه فى البطن حكم به بلا غاية ما دام متحففاً {ثمَّ نُخْرجُكم} من الأرحام {طِفْلا} أطفالاً يطلق على الجماعة والاثنين، كما يطلق على الواحد، لأن أصله مصدر طفل بالضم على غير قياس بمعنى لأن، وإذا أريد واحد جمع على أطفال أو المراد الجنس أو المرد طفلا طفلا كما يقال: اخرجوا رجلا فاختصر.
{ثمَّ لتبْلُغُوا أشُدَّكم} عطف: على محذوف تقديره نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً، ثم لتبلغوا أو نمهلكم لتكبروا شيئاً فشيئاً، ثم لتبلغوا، وجملة نخرجكم محذوفة مستأنفة غير مقرونه بثم وقيل: المعطوف محذوف، أى ثم تمهلكم لتبلغوا، وأشد مفرد بوزن الجمع، كأنك ولا ثالث لهما، وهو افعل بفتح الهمزة وإسكان الفاء، وضم العين، وأصل الشين السكون نقلت اليه ضمة الدال، فأدغمت أو جمع لا واحد له، أو جمع شذوذاً لشدة بكسر الشين كنعمة وأنعم، أو لشد بفتحها أو كسرها، وهو ما بين ثمانية عشر عاماً الى ثلاثين.
{ومنْكُم مَن يُتوفَّى} بعد الإخراج من الرحم، وقبل بلوغ الأشد {ومنْكُم من يُردُّ إلى أرذَل} أخس {العُمُر} بالكبر بعد ما كان فيه الطفولية، {لكيلا يعلم} يعرف {من بعد علم شيئاً} مفعول مطلق، أى علماً ما، أو مفعول به أى شيئاً من الأشياء، وذلك تقسم لما بعد الاخراج بعد تقسيم ما قبله، ومن للتعبيض، فالله عز وجل لم يذكر الأبعاض كلها، لأن من المردودين الى أرذل العمر من يعرف بعض الأشياء، واللام للعاقبة، والله عالم بها، ولم يسق الآية على معنى أنى أرده الى أرذل العمر، لأجل أن لا يعلم، والله جل جلاله ذكر أفضل الأحوال، وهو بلوغ الأشد وأبدعها، وهو الإخراج وأسواها وهو أرذل العمر، وبنى التوفى الرد للفعول للعلم بالفاعل سبحانه وتعالى، واحتج للبعث أيضاً بقوله:
{وترى الأرض هامدةً فإذا أنزْلنا عَليْها الماء اهتَزَّت ورَبَت وأنْبتَت مِنْ كُلِّ زوَجِ بَهيجٍ} العطف على أنا خلقناكم، والخطاب لمن يتأتى منه الرؤية البصرية، أو للمجادل له صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون له صلى الله عليه وسلم، والمراد تنبيه غيره، وخص الإنزال لأن ماء المطر أعم إنباتاً وأسرع، وبيعد أن الإنزال بمعنى ارسال الشامل له والماء العين، وهمود الأرض سكونا بيبس، واندراس كما قابله باهتزاز أى تحركها بالنبات شبه خلوها بالسكون، والتباسها به بالتحرك على الاستعارة، أو أسند الهتزاز إليها، وهو للنبات على المجاز العقلى كما فى أنبتت، والإنبات فعل لله عز وجل، ويبعد أن اهتزازها انفصال بعضها عن بعض لخروج النبات، وكذا الوجهان فى ربت أى ازدادت وانتفخت، والزوج الصنف والبهيج حسن المنظر يسر الناظر.