خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٤٠
-الأحزاب

تيسير التفسير

{ما كَان مُحمَّد} اذا كان الناس يقرءون القرآن وقرءوا لفظ محمد او لفظ أحمد وجب عليهم فى الاصح ان يصلوا عليه، لان كل واحد قد سمعه من غيره، والصلاة واجبة على من سمع ذكره، وفيه أقوال، وعلى كل حال يكفر من ينهى الناس عن الصلاة عليه فى سماعه من القارئ، او يقول ليس بشرع، ومعلوم ان الصلاة عليه حينئذ ليست من القرآن، كما علم ان بلى بعد " { أليس الله بأحكم الحاكمين } " [التين: 8] ليس من القرآن، وقد أمر به صلى الله عليه وسلم، ومن الجهالة ان يسبقوا الداعى بالصلاة والسلام ويسمعون الاسم من الداعى بعد فراغهم، فلا يصلون ولا يسلمون استغناء بالنفل عن الفرض، لأنهما يفرضان عند ذكره، ومن أنكر جواز الصلاة والسلام عليه عند سماعه فى القرآن فقد أشرك، ويصلى ويسلم عليه بصوت دون صوت القرآن اذا سمعوه فى القرآن، ولا يتوهم احد ان الصلاة والسلام عليه آية من القرآن، ولو خيف التوهم أخبر انهما ليسا من القرآن.
{أبا أحَدٍ مِن رجالكم} ذكر الرجال دون الابناء، لان الكلام فى زوج زيد زينب وهو يومئذ رجل، وايضا يلزم من نفى ان يكون أباً لرجل ان يكون ابا لطفل، لان الطفولية عن الرجولية، بخلاف الطفولية فلا يلزم عنها ان يكون رجلا، لانه يمكن ان يموت قبل ان يكونه، ولا حاجة الى جعل الرجل من اطلاق الخاص على العام الذى هو الابن، ولا الى قول: ان الرجل من حين يولد، وإنما ذلك فى مثل قوله تعالى:
" { وللرجال نصيب } " [النساء: 7، 32] " { وإن كان رجل يورث } " [النساء: 12] الخ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فلأولى رجل ذكر" والابوة المنفية شرعية ولغوية اصلية، وهى بنوة الولادة او الرضاع، وشهر انه لا بنوة بالرضاع فى اللغة، ومعلوم ان زيد بن حارثة، وانه لا مراضعة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم الله عز وجل ان التبنى لا يعتبر فى النكاح، ولا فى غيره، ولا يثبت بنوة شرعية، ولم يقل ابا احد من الرجال، او ابا احد منكم، لانهم يعدون زيداً منهم للمخالطة والسكنى.
واما اولاده صلى الله عليه وسلم فماتوا فى مكة قبل البلوغ، كالقاسم رضى الله عنه، وإبراهيم ولد فى المدينة بعد نزول الآية، وهو صلى الله عليه وسلم اب ايضا لابنه البالغ، لو كان فإنهم يعدونه من رجالهم، ولا يبحث ببنوة الحسن والحسين له صلى الله عليه وسلم، لانهما طفلان، وللعلم بان أباهما على، وقد علمت ان المنفى ابوة الولادة والرضاع، فلا يشكل انه صلى الله عليه وسلم ابو المؤمنين من الآية، نص عليه الشافعى وعلى وقرئ: وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم.
وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال لعلى:
"أنا وأنت أبو هذه الأمة" وذلك فى التعظيم والشفقة، وكل نبى اب لأمته لذلك، وإنما هو أبو الثلاثة بنين وأربع بنات، اولهم القاسم وبه يكنى، ثم زينب، ثم عبدالله واسمه الطاهر، ولد بعد نزول الوحى، ولذا سمى طاهرا، ثم ام كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية ولدتهم خديجة فى مكة، ثم ابنه ابراهيم من سريته مارية القبطية، وكلهم ماتوا قبله الا فاطمة فبعده بستة أشهر، وكل نسائه ثيبات الا عائشة، ويروى عن الشعبى، عن ابى جحيفة، عن على، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحجاب يقول غضوا ابصاركم عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمر الى الجنة" .
{ولكن رسُول الله} لكن كان رسول الله، قال هذا ليكون قد اثبت ما نفوه، ونفى ما أثبتوه، وكأنه قيل لكن ثبتت له الرسالة التى هى كالأبوة الحقيقة فى تعظيم المؤمنين له، وفى شفقته ونفعه لهم {وخاتَم النَّبييِّن} اكد به الرسالة المتضمنة للابوة التعظيمية والشفقية، لطول ما بينه وبين يوم القيامة، فذلك طول للأبوة المذكورة بخلاف ابوة الانبياء قبله، فدون تلك المدة ايضاً، وقد يتكلم فى الزيادة عما هم عليه من تلك الشفعة على من يأتى بعدهم من الانبياء، لعلمهم بأنهم يأتون بعدهم، وأما عيسى صلى الله عليه وسلم، فإذا نزل شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يلهمه الله إياها، او علمه اياها صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء، او فى غيرها، كما روى انه يسلم على عيسى فى الطواف، ومن شريعته اذا نزل عيسى ان لا تقبل الجزية، بل الايمان او القتل.
قال صلى الله عليه وسلم:
"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا الخاتم للنبوة جئت فتممت الانبياء" قال صلى الله عليه وسلم: "انا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحوا الله به الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب أي الذي ليس بعدي نبي" ويروى "انا محمد وانا احمد وانا المقفى وانا الماحى ونبى التوبة ونبى الرحمة" والمقفى المجعول آخراً.
{وكان الله بكلِّ شيء عليماً} من ذلك علمه بحكمة كونه خاتم النبيين، واذا نزل عيسى عمل بسنته، وحج وتزوج، فهو من امته الا انه لا يقبل الجزية عن اهل الكتاب والمجوس، بل ان لم يؤمنوا قتلهم، وهذا دين سيدنا محمد اذا نزل عيسى، ويصلى الى الكعبة.