خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ
٥
-فصلت

تيسير التفسير

{وقالُوا} حين دعاهم الى التوحيد {قلُوبُنا في أكنَّةٍ} أغطية عظيمة لا ينفذها بصر، ولا شىء، ولا يخرقها، والمفرد غطاء بالكسر، وعن مجاهد هى جعاب النبل، وهو غطاء أيضا للنبل، وذلك استعارة عن القسوة العظيمة، ووزنه أفعلة نقلت كسرة النون الأولى الى الكاف الساكنة، وأدغمت فى النون بعدها {ممَّا تدْعُونا إليْه} من الايمان بالله وحده، واتباع سائر ما يوحى، ومن للابتداء كقولك: رأيته من ذلك الجبل، تريد تحصلت لى رؤيته من الجبل الذى هو فيه، وأنا فى غيره، أو بمعنى عن، وعلى كل حال تتعلق بأكنة {وفي آذاننا وَقْر} ثقل سمع لا نسمع الأصوات، وذلك استعارة عن الاعراض التام بالقلوب.
{ومِنْ بَيْننا وبيْنِك حجاب} عظيم يمنعنا من التواصل يستوعب القسمة، لأن من للابتداء من جانب كل، فينتهى كل الى الآخر، ولو لم يذكر قوله: {وبينك} وغلب التكلم على الخطاب، فكيف وقد ذكره، ولو لم يذكر من احتمل الاستيعاب وعدمه، ولو ذكر قوله: {وبينك} بالغوا فى إقناط رسول الله صلى الله عليه وسلم من ايمانهم بثلاث جمل تمثيليات، سدوا محل المعرفة وهو القلب، وما يوصل اليه المعرفة، وهو السمع والبصر الممنوع بالحجاب، والحجاب مستعار للقسوة، أو الامتناع الشديد، والكلام كنايات متعددة بدون استشعار تشبيه، أو استعارات مفردات أو استعارة تمثيلية، وكذا تجوز فى الجملتين قبل، وفى قوله: "قلوبنا في أكنة" استعلاء الأكنة على القلوب، لأن الغطاء مستعل على ما غطى به، فهو موافق لقوله تعالى:
" { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } " [الكهف: 57] فى الاسراء والكهف وكانت بعلى لأن الاسناد فيهما الى الله عز وجل، فناسب الاستعلاء اذ قال: {جعلنا} وهنا حكاية كلامهم فكان بفى، وزادوه اقناطا بما ذكر الله عنهم فى قوله عز وجل: {فاعْمَل} على دينك {إنَّنا عامِلونَ} على ديننا، أو اعمل جهدك فى كيدنا بابطال ديننا، إنا عاملون كذلك فى إبطال دينك، وفى هذا المعنى أيضا اقناط، الا أن فى الأول متاركة، وفى هذا مجاهرة فى العناد.
والمقصود بالذات أنا عاملون وأما فاعمل فتوطئة له، قال عمر رضى الله عنه:
" "أقبلت قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يمنعكم من الاسلام فتسودوا العرب فقالوا: يا محمد ما نفقه ما تقول، ولا نسمعه، وأن على قلوبنا لغلفا فأخذ أبو جهل لعنه الله ثوبا فمده بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أى كالستر فقال: يا محمد قلوبنا فى أكنة مما تدعونا اليه، وفى آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، ولما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلا الى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أعرض علينا الاسلام، فلما عرض عليهم الاسلام أسلموا عن آخرهم فتبسم النبى صلى الله عليه وسلم وقال: الحمد لله بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفاً وقلوبكم فى أكنة مما أدعوكم اليه، وفى أذانكم وقراً وأصبحتم اليوم مسلمين فقالوا: يا رسول الله بالأمس، لو كان كذلك ما اهتدينا أبدا، ولكن الله تعالى الصادق، والعباد الكاذبون عليه وهو الغنى، ونحن الفقراء اليه" ، ولعل الحديث لم يثبت الا ان ارتدوا بعد.