خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
٤
لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً
٥
-الفتح

تيسير التفسير

{هُو الذي أنزل السَّكينَة في قُلوب المُؤمنين} الطمأنينة والثبات بعد الخوف بالفتح المذكور، فلا تضطرب النفس حتى تذعن لصلح الحديبية، ولا يفروا فى الحرب، ولا تعرض عن حق، وعن ابن عباس: كل سكينة فى القرآن طمأنينة إلا التى فى سورة البقرة، وفى التعبير بالانزال ايماء الى علو شأن الطمأنية، وذلك انزال من علو للشىء أولأسبابه، ويجوز أن يكون الانزال بمعنى الاسكان، كما تقول: أنزلت الضيف فى دارى، وقيل: السكينة ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه، ما قال على: ان السكينة لتنطق على لسان عمر، وعن ابن عباس: السكينة الرحمة، وقيل: السكينة العقل، لأنه يسكن عن الميل الى الشهوات، وعن الرعب، وقيل: العظمه لله ورسوله، وقيل: السكون الى الشرع كما قال:

فيم الاقامة بالزوراء لا سكنى فيها ولا ناقتى فيها ولا جملى

{ليْزدادوا إيماناً مَعَ إيمانهم} بأن يقوى فى قلوبهم، وهو واحد فى نفسه كالعقل التام، يقوى وينقص، فالايمان يزداد وينقص، وهو فى نفسه واحد، ولو كان ازدياد بكثرة الأدلة والنظر، كشجرة تنمو بالماء، ونور مصباح ينمو بالزيت، وكذا النقص، وكذا فهم ابن عمر فقال: يا رسول الله الايمان يزيد وينقص؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار" وعن عمر وجابر، عنه صلى الله عليه وسلم: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به" وأما اعتبار الايمان قولا وعملا فيزداد بزيادة العمل، وينقص بنقص العمل، أو تركه وزيادته بزيادة ما يؤمن به، وزيادة نزول ما يعمل به، وكلَّما نزل شىء زاد ايمانا به، وكلما كان بالوحى عمل به، وكذا حدوث علم بعمل، فلا ينبغى الخلاف فى ذلك، وانما هو فى التصديق ينمو وينقص، والا لزم أن يكون ايمان الملائكة والأنبياء الأولياء، وايمان الفاسق سواء، وليس كذلك، بل الانسان الواحد يقوى تصديقه فى مسألة تارة وينقص فيها أخرى، وقال جماعة: الايمان بمعنى التصديق لا يزيد ولا ينقص، وبه قال أبو حنيفة، وامام الحرمين، لأنه لو نقص لم يكن تصديقا، قلنا: لا يزيد بل ينقص مع بقاء أصله كشجرة تذبل، ونور ينقص بنقص الزيت، توقن أن لك كما زعموا ألفا من جهة كذا، وتنسى الجهة ويبقى اليقين، وتوقن أن الله تعالى قديم اذ لو حدث لكان بمحدث، وتذهل أو تنسى اللوية فينقص.
{ولله جنود السَّماوات والأرض} فهو قادر أن ينصرك بما شاء، ولو مع قلة عددكم، ومن جنوده: الطاعة والصيحة، أو المراد أن الملائكة، وجنود الأرض الحيوانات، وجنود السماوات الصاعقة والصيحة والحجارة، وجنود الأرض الخسف والزلزلة والغرق، أو المراد أن فى ملكه الجنود خلقها وابتلى بعضاً ببعض فقتل بعض بعضا تارة، فيكون النصر بأيديكم، فلكم الأجر، وعلى عدوكم العقاب، واصطلحوا تارة أخرى، كما اصطلحوا يوم الحديبية بحسب الحمة.
{وكان الله عَليماً} بجميع الأجسام والأعراض {حَكيماً} فيها بالايجاد والاعدام والزيادة والنقص وسائر التصرفات، أو عليما بما فى قلوبكم، وبجميع الجنود، حكيما فى تدبيرها، وفى نصركم لتشكروه فيثيبكم كما قال:
{ليُدخِل المؤمنينَ والمؤمنات} ذكرهن لئلا يتوهم دخولهن لذكر الجهاد، وهن لا يجاهدن، وكذا كل ما ذكرن فى القرآن مع الرجال كما ذكرن دفعا لتوهم، وحيث يذرن فلعدم توهم كذا، قيل قلت: لعله لا يطرد فاستقصه {جنات تجْرى مِن تَحْتها الأنهار خالدين فيها} خالدين حال مقدرة، واللام فى قوله عز وجل: {ليدخل} متعلق بمحذوف، أى دبر ما دبَّر ليدخل وأراد بالادخال سببه وملزومه، وهو شكر النعم، وقيل متعلق بفتحنا، أو بأنزل على أن هذا تعليل لأحدهما، ولتعليله كأنه قيل فتحنا، وعللنا الفتح بالمغفرة ليدخل، أو أنزلنا السكينة، وعللنا الإنزال لازدياد الايمان، ليدخل فلا يرد تعليق حرفى جر لمعنى واحد، فى عامل واحد، بلا تبعية، أو الثانى تعليل للعلة، أى ليغفر لك واللمؤمنين، ليدخل لأنه لا يدخلهم الجنة بلا مغفرة، وقيل: متعلق بيزدادوا، وقيل: بينصرك أو فيهما على التنازع، أو على مجرد الحذف لدليل.
ويبحث بأن الادخال يكون بلا نصر، وبلا ازدياد نفس التصديق، أو بمحذوف، أى فعل ذلك ليدخل، أو بدل اشتمال من قوله: ليزدادوا لأن بين الازدياد والادخال ملابسة بغير الجزئية والكلية، وقد مر لك انه قد يكون بدل الاشتمال بلا رابط الا أن الازدياد ليس شرطا للادخال كما مر، الا أن فسر الازدياد بتعدد الايمان بتعدد النزول، أو بتعدد الأعمال ويقوى تعليقه بفعل محذوف ما روى أنه نزل عليه بعد رجوعه من الحديبية: {بسم الله الرحمن الرحيم * إنَّا فَتحنا لك فتحاً} الى: {عظيماً} فقال: "لقد نزلت علىَّ آية هى أحب الى مما على الأرض فقرأها" فقالوا هنيئاً مريئاً قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا فنزل: {ليدخل} الى: {فوزاً عظيماً} لكن لا مانع من تعليقها بما مر بأوجهه.
{ويُكفِّر عنْهُم سيئاتهم} لا يؤاخذهم بها، لا يظهرها بالعقاب، كأنها لم تكن، وقدم الادخال على التكفير فى الذكر، مع أنه متأخر فى الوجود مسارعة الى المطلوب الأعلى، قيل: أو قدم لأن التكفير فى الجنة أى يسترها فيها لا تخطر ببالهم، ولا يذكرها أحد لئلا ينغصوا وهو غير متبادر {وكان ذلك} الادخال والتكفير {عِنْد الله} متعلق بكان، أو حال من قوله {فَوزاً} أى فلاحا وربحا ممتازا به عن الغير {عَظيماً} لا يحيط به إلا الله عز وجل.