خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ
٢٨
أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٢٩
قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ
٣٠
وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ
٣١
قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ
٣٢
وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ
٣٣
إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٣٤
وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٣٥
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ
٣٦
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
٣٧
وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ
٣٨
وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ
٣٩
فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٤٠
مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٤١
إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٤٢
وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ
٤٣
خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ
٤٤
ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
٤٥
-العنكبوت

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة نوح وإِبراهيم، وما فيهما من مواطن العظة والعبرة، ذكر هنا قصص الأنبياء "لوط، شعيب، هود، صالح" على سبيل الاختصار لبيان عاقبة الله في المكذبين.. وكلُّ ذلك لتأكيد ما ورد في صدر السورة الكريمة من أن الابتلاء سنة الحياة، وأنه من السنن الكونية على مر العصور والدهور.
اللغَة: {ٱلْفَاحِشَةَ} الفعلة المتناهية في القبح قال أهل اللغة: الفاحشةُ: القبيح الظاهر قبحه، وكل فعلٍ زاد في القبح والشناعة فهو فاحشة {نَادِيكُمُ} النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم للسَّمر أو المشورة أو غيرهما {تَعْثَوْاْ} العُثُوُّ والعُثيُّ أشدُّ الفساد يقال: عثي يعثى، وعثا يعثو بمعنى واحد {رِجْزاً} عذاباً {جَاثِمِينَ} جثم: إِذا قعد على ركبتيه {سَابِقِينَ} فائتين من عذابنا {أَوْهَنَ} أضعف، والوهنُ: الضعف.
التفسِير: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} أي واذكر رسولنا لوطاً عليه السلام حين قال لقومه {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} أي إِنكم يا معشر القوم لترتكبون الفعلة المتناهية في القبح {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} أي لم يسبقكم بهذه الشنيعة، والفعلة القبيحة - وهي اللواطة - أحدٌ من الخلق، ثم فسر تلك الشنيعة فقال {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ} أي إِنكم لتأتون الذكور في الأدبار وذلك منتهى القذارة والخسَّة قال المفسرون: لم يقدم أحد قبلهم عليها اشمئزازاً منها في طباعهم لإِفراط قبحها حتى أقدم عليها قوم لوط، ولم ينز ذكرٌ على ذكر قبل قوم لوط {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} أي وتقطعون الطريق على المارة بالقتل وأخذ المال، وكانوا قطاع الطريق قال ابن كثير: كانوا يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} أي وتفعلون في مجلسكم ومنتداكم ما لا يليق من أنواع المنكرات علناً وجهاراً، أما كفاكم قبحُ فعلكم حتى ضممتم إِليه قبح الإِظهار!؟ قال مجاهد: كانوا يأتون الذكور أمام الملأ يرى بعضهم بعضاً، وقال ابن عباس: كانوا يحذفون بالحصى من مرَّ بهم مع الفحش في المزاح، وحل الإِزار، والصفير وغير ذلك من القبائح {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} أي فما كان ردُّ قومه عليه حين نصحهم وذكّرهم وحذَّرهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ} أي إِلا أن قالوا على سبيل الاستهزاء: ائتنا يا لوط بالعذاب الذي تعدنا به {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي إن كنت صادقاً فيما تهددنا به من نزول العذاب قال الإِمام الفخر: فإِن قيل إِن الله تعالى قال هٰهنا {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا} وقال في موضع آخر
{ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ } [النمل: 56] فكيف وجه الجمع بينهما؟ فنقول: إِن لوطاً كان ثابتاً على الإِرشاد، مكرراً عليهم النهي والوعيد، فقالوا أولاً: ائتنا بعذاب الله، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا آل لوط، ثم إِن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة من الله {قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي قال لوط ربّ أهلكهم وانصرني عليهم فإِنهم سفهاء مفسدون لا يُرجى منهم صلاح وقد أغرقوا في الغيّ والفساد قال الرازي: واعلم أن نبياً من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إِلا إِذا علم أن عدمهم خير من وجودهم كما قال نوح { إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ } [نوح: 27] فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، ولا يرجى منهم صلاح في المآل طلب لهم العذاب {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ} المراد بالرسل هنا "الملائكة" والبشرى هي تبشير إبراهيم بالولد، أي لما جاءت الملائكة تبشّر إِبراهيم بغلام حليم {قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} أي جئنا لنهلك قرية قوم لوط {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} أي لأنَّ أهلها ممعنون في الظلم والفساد، طبيعتهم البغيُ والعناد قال المفسرون: لما دعا لوط على قومه، استجاب الله دعاءه، وأرسل ملائكته لإِهلاكهم، فمرُّوا بطريقهم على إِبراهيم أولاً فبشروه بغلامٍ وذرية صالحة، ثم أخبروه بما أُرسلوا من أجله، فجادلهم بشأن ابن أخيه لوط {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً} أي كيف تهلكون أهل القرية وفيهم هذا النبي الصالح "لوط"؟ {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} أي نحن أعلم به وبمن فيها من المؤمنين قال الصاوي: وهذا بعد المجادلة التي تقدمت في سورة هود { يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ } [هود: 74] حيث قال لهم: أتهلكون قريةً فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا لا، إِلى أن قال: أفرأيتم إِن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا لا فقال لهم {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} فأجابوه بقولهم {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} ثم بشروه بإِنجاء لوط والمؤمنين {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي سوف ننجيه مع أهله من العذاب، إِلا امرأته فستكون من الهالكين لأنها كانت تمالئهم على الكفر، ثم ساروا من عنده فدخلوا على "لوط" في صورة شبان حسان {وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي ولما دخلوا على لوط حزن بسببهم، وضاق صدره من مجيئهم لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم من قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه {وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ} أي لا تخف علينا ولا تحزن بسببنا، فلن يصل هؤلاء المجرمون إِلينا {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ} أي كانت من الهالكين الباقين في العذاب {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي منزلون عليهم عذاباً من السماء بسبب فسقهم المستمر قال ابن كثير: وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم، وأرسل عليهم حجارة من سجيل منضود، وجعل مكانها بحيرةً خبيثةً منتنة، وجعلهم عبرةً إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذاباً يوم المعاد {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً} أي ولقد تركنا من هذه القرية علامةً بينةً واضحة، هي آثار منازلهم الخربة {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي لقومٍ يتفكرون ويتدبرون ويستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، ثم أخبر تعالى عن قصة شعيب فقال {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى قوم مدين أخاهم شعيباً {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ} أي فقال لقومه ناصحاً ومذكراً: يا قوم وحّدوا الله وخافوا عقابه الشديد في اليوم الآخر {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي لا تسعوا بالإِفساد في الأرض بأنواع البغي والعدوان {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي فكذبوا رسولهم شعيباً فأهلكهم الله برجفةٍ عظيمة مدمرة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة هائلة أخرجت القلوب من حناجرها {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي فأصبحوا هلكى باركين على الركب ميتين {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} أي وأهلكنا عاداً وثمود، وقد ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم بالحجاز واليمن آيتنا في هلاكهم أفلا تعتبرون؟ {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الكفر والمعاصي حتى رأوها حسنة {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} أي فمنعهم عن طريق الحق، وكانوا عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، لكنهم لم يفعلوا تكبراً وعناداً {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} أي وأهلكنا كذلك الجبابرة الظالمين، {قَارُونَ} صاحب الكنوز الكثيرة {وَفِرْعَوْنَ} صاحب الملك والسلطان، ووزيره {وَهَامَانَ} الذي كان يُعينُه على الظلم والطغيان {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي ولقد جاءهم موسى بالحجج الباهرة، والآيات الظاهرة {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي فاستكبروا عن عبادة الله وطاعة رسوله {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} أي وما كانوا ليفلتوا من عذابنا قال الطبري: أي ما كانوا ليفوتونا بل كنا مقتدرين عليهم {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} أي فكلاً من هؤلاء المجرمين أهلكناه بسبب ذنبه وعاقبناه بجنايته قال ابن كثير: أي وكانت عقوبته بما يناسبه {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} أي ريحاً عاصفة مدمرة فيها حصباء "حجارة" كقوم لوط {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} أي ومنهم من أخذته صيحةُ العذاب مع الرجفة كثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} أي خسفنا به وبأملاكه الأرض حتى غاب فيها كقارون وأصحابه {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} أي أهلكناه بالغرق كقوم نوح وفرعون وجنده {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي وما كان الله ليعذبهم من غير ذنب فيكون لهم ظالماً {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ولكن ظلموا أنفسهم فاستحقوا العذاب والدمار، ثم ضرب تعالى مثلاً للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله فقال {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} أي مثل الذين اتخذوا من دون الله أصناماً يعبدونها في اعتمادهم عليها ورجائهم نفعها كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتاً لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا أذى قال القرطبي: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي وإِن أضعف البيوت لبيتُ العنكبوت لتفاهته وحقارته، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ما عبدوها {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} أي هو تعالى عالم بما عبدوه من دونه لا يخفى عليه ذلك، وسيجازيهم على كفرهم {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي وهو جل وعلا العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} أي وتلك الأمثال نبينها للناس في القرآن لتقريبها إلى أذهانهم {وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} أي وما يدركها ويفهمها إِلا العالمون الراسخون، الذين يعقلون عن الله عز وجل مراده {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي خلقهما بالحق الثابت لا على وجه العبث واللعب {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي إِن في خلقهما بذلك الشكل البديع، والصنع المحكم لعلامة ودلالة للمصدقين بوجود الله ووحدانيته {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي اقرأ يا محمد هذا القرآن المجيد الذي أوحاه إِليك ربك، وتقرّب إِليه بتلاوته وترداده، لأن فيه محاسن الآداب ومكارم الأخلاق {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أي دم على إِقامتها بأركانها وشروطها وآدابها فإِنها عماد الدين {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} أي إِنَّ الصلاة الجامعة لشروطها وآدابها، المستوفية لخشوعها وأحكامها، إِذا أداها المصلي كما ينبغي، وكان خاشعاً في صلاته، متذكراً لعظمة ربه، متدبراً لما يتلو، نهته عن الفواحش والمنكرات {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي ولذكر الله أكبر من كل شيء في الدنيا، وهو أن تتذكر عظمته وجلاله، وتذكره في صلاتك وفي بيعك وشرائك، وفي أمور حياتك ولا تغفل عنه في جميع شؤونك {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} أي يعلم جميع أعمالكم وأفعالكم فيجازيكم عليها أحسن المجازاة، قال أبو العالية: إن الصلاة فيها ثلاث خصال: الإِخلاص، والخشية، وذكر الله؛ فالإِخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله - القرآن - يأمره وينهاه فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- التأكيد بعده مؤكدات والاطناب بتكرار الفعل تهجيناً لعملهم القبيح وتوبيخاً {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ.. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ} الآية.
2- الاستهزاء والسخرية {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} وجواب الشرط محذوف دل عليه السابق أي إِن كنت صادقاً فائتنا به.
3- التنكير لإِفادة التهويل {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي رجزاً عظيماً هائلاً.
4- تقديم المفعول للعناية والاهتمام، والإِجمال ثم التفصيل {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} الخ.
5- التشبيه التمثيلي {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} شبَّه الله الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتاً ضعيفاً واهياً يتهاوى من هبة نسيم أو من نفخة فم، وسمي تمثيلياً لأن وجه الشبه صورة منتزعة من متعدد.
6- توافق الفواصل في الحرف الأخير وما فيه من جرس عذب بديع مثل {ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ.. إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} ومثل {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ} ومثل {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ.. آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الخ وهو من خصائص القرآن.
تنبيه: أفادت الآية أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد ثبت
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إِن فلاناً يصلي الليل فاذا أصبح سرق فقال: ستمنعه صلاته" رواه البزار، يريد عليه السلام أن الصلاة إذا كانت على الوجه الأكمل، تنهى صاحبها عن الفحشاء، ولا تزيده بعداً بل تزيده قرباً.