خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٤١
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ
٤٢
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ
٤٣
إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ
٤٤
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٤٥
وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ
٤٦
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ
٤٧
وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٤٨
وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ
٤٩
أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٥٠
-المائدة

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة ابني آدم وإِقدام الأخ على قتل أخيه بسبب البغي والحسد وذكر أحكام الحرابة والسرقة، أعقبه بذكر أمر المنافقين وأمر اليهود في حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتربصهم به وبأصحابه الدوائر، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يحزن لما يناله من أذى من أعداء الإِنسانية فالله سيعصمه من شرهم، وينجيه من مكرهم، ثم ذكر ما أنزل الله من أحكام نورانية في شريعة التوراة.
اللغَة: {يَحْزُنكَ} الحُزْن والحَزَن خلاف السرور {السُّحْتِ}: الحرام سمي بذلك لأنه يسحتُ الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وأصل السحت: الهلاك قال تعالى
{ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } [طه: 61] أي يستأصلكم ويهلككم {ٱلأَحْبَارُ} جمع حَبْر وهو العالم مأخوذ من التحبير وهو التحسين {وَقَفَّيْنَا} أتبعنا {مُهَيْمِناً} المهيمن: الرقيب على الشيء الحافظ له، من هيمن عليه أي راقبه ويأتي بمعنى العالي والمرتفع على الشيء {شِرْعَةً} الشِّرعة: السُّنَّة والطريقة يقال: شرع لهم أي سنَّ لهم {مِنْهَاجاً} المنهاج: الطريق الواضح
سَبَبُ النّزول: عن البراء بن عازب قال:
"مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمّماً مجلوداً فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا نعم فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إِذا أخذنا الشريف تركناه، وإِذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا فلنجتمعْ على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إِني أول من أحيا أمرك إِذ أماتوه فأمر به فرجم" فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} إِلى قوله {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} يقولون: ائتوا محمداً فإِن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإِن أفتاكم بالرجم فاحذروا.
التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية أي لا تتأثر يا محمد ولا تحزن لصنيع الذين يتسابقون نحو الكفر ويقعون فيه بسرعة {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} أي من المنافقين الذين لم يُجاوز الإِيمان أفواههم يقولون بألسنتهم آمنا وقلوبهم كافرة {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي ومن اليهود {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي هم مبالغون في سماع الأكاذيب والأباطيل وفي قبول ما يفتريه أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أي مبالغون في قبول كلام قومٍ آخرين لم يحضروا مجلسك تكبراً وإِفراطاً في العداوة والبغضاء وهم يهود خيبر، والسماعون للكذب بنو قريظة {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} أي يُزيلونه ويُميلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله تعالى فيها والمراد تحريف أحكام الله وتغييرها بأحكام أخرى قال ابن عباس: هي حدود الله في التوراة غيروا الرجم بالجلد والتحميم - يعني تسويد الوجه - {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} أي إِن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا وإِن أمركم بالرجم فلا تقبلوا قال تعالى ردّاً عليهم {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحدٌ على دفع ذلك عنه {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} أي لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم من رجس الكفر وخبث الضلالة لقبح صنيعهم وسوء اختيارهم {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} أي ذلٌ وفضيحة {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هو الخلود في نار جهنم قال أبو حيان: والآية جاءت تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتخفيفاً عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر وقطعاً لرجائه من فلاحهم {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي الباطل كرره تأكيداً وتفخيماً {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي الحرام من الرشوة والربا وشبه ذلك {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي إِن تحاكموا إِليك يا محمد فيما شجر بينهم من الخصومات فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وبين أن تُعرض عنهم قال ابن كثير: أي إِن جاءوك يتحاكمون إِليك فلا عليك ألا تحكم بينهم لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إِليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} أي لأن الله عاصمك وحافظك من الناس {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أي فاحكم بينهم بالعدل والحق وإِن كانوا ظلمةً خارجين عن طريق العدل لأن الله يحب العادلين، ثم قال تعالى منكراً عليهم مخالفتهم لأحكام التوراة {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} أي كيف يحكّمك يا محمد هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الله يرونه ولا يعملون به؟ قال الرازي: هذا تعجيبٌ من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحكيم اليهود إِيّاه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ثم تركهم قبول ذلك الحكم، فعدلوا عما يعتقدونه حكماً حقاً إِلى ما يعتقدونه باطلاً طلباً للرخصة فظهر بذلك جهلهم وعنادهم {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد أن وضح لهم الحق وبان {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ليسوا بمؤمنين لأنهم لا يؤمنون بكتابهم "التوراة" لإِعراضهم عنه وعن حكمك الموافق لما فيه قال في التسهيل: وهذا إِلزامٌ لهم لأن من خالف كتاب الله وبدّله فدعواه الإِيمان باطلة، ثم مدح تعالى التوراة بأنها نور وضياء فقال {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} أي أنزلنا التوراة على موسى فيها بيانٌ واضح ونور ساطع يكشف ما اشتبه من الأحكام {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} أي يحكم بالتوراة أنبياء بني إِسرائيل الذين انقادوا لحكم الله {لِلَّذِينَ هَادُواْ} أي يحكمون بالتوراة لليهود لا يخرجون عن حكمها ولا يُبدّلونها ولا يُحرّفونها {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} أي العلماء منهم والفقهاء {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} أي بسبب أمر الله إِياهم بحفظ كتابه من التحريف والتضييع {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} أي رقباء لئلا يُبدّل ويُغيّر {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} أي لا تخافوا يا علماء اليهود الناس في إِظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والرجم بل خافوا مني في كتمان ذلك {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} أي ولا تستبدلوا بآياتي حطام الدنيا الفاني من الرشوة والجاه والعَرَض الخسيس {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} أي من لم يحكم بشرع الله كائناً من كان فقد كفر وقال الزمخشري: ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهيناً به فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون وصفٌ لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهزاء والاستهانة وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها قال أبو حيان: والآية وإِن كان الظاهر من سياقها أن الخطاب فيها لليهود إِلا أنها عامة في اليهود وغيرهم.. وكل آية وردت في الكفار تجرُّ بذيلها على عصاة المؤمنين {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} أي فرضنا على اليهود في التوراة أن النفس تُقتل بالنفس {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} أي تُفقأ بالعين إِذا فقئت بدون حق {وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ} أي يُجدع بالأنف إِذا قطع ظلماً {وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ} أي تقطع بالأذن {وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ} أي يقلع بالسنِّ {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي يُقتص من جانيها بأن يُفعل به مثل ما فعله بالمجني عليه وهذا في الجراح التي يمكن فيها المماثلة ولا يُخاف على النفس منها {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال ابن عباس: أي فمن عفا عن الجاني وتصدَّق عليه فهو كفارةٌ للمطلوب وأجرٌ للطالب وقال الطبري: من تصدَّق من أصحاب الحق وعفا فهو كفارة له أي للمتصدِّق ويكفّر الله ذنوبه لعفوه وإِسقاطه حقه {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي المبالغون في الظلم لمخالفة شرع الله {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةَِ} أي أتبعنا على آثار النبيّين بعيسى بن مريم وأرسلناه عقيبهم مصدقاً لما تقدّمه من التوراة {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} أي أنزلنا عليه الإِنجيل فيه هدى إِلى الحق ونور يُستضاء به في إِزالة الشبهات {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ} أي مُعترفاً بأنها من عند الله، والتكرير لزيادة التقرير {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أي وهادياً وواعظاً للمتقين {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} أي وآتينا عيسى بن مريم الإِنجيل وأمرناه وأتباعه بالحكم به {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي المتمردون الخارجون عن الإِيمان وطاعة الله {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي وأنزلنا إِليك يا محمد القرآن بالعدل والصدق الذي لا ريب فيه {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي مصدّقاً للكتب السماوية التي سبقته {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي مؤتمناً عليه وحاكماً على ما قبله من الكتب قال الزمخشري: أي رقيباً على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات قال ابن كثير: اسم المهيمن يتضمن ذلك فهو أمينٌ وشاهد وحاكم على كل كتابٍ قبله جمع الله فيه محاسن ما قبله وزاده من الكمالات ما ليس في غيره {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي فاحكم يا محمد بين الناس بما أنزل الله إِليك في هذا الكتاب العظيم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي لا توافقهم على أغراضهم الفاسدة عادلاً عمّا جاءك في هذا القرآن قال ابن كثير: أي لا تنصرفْ عن الحق الذي أمرك الله به إِلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أي لكل أمةٍ جعلنا شريعة وطريقاً بيناً واضحاً خاصاً بتلك الأمة قال أبو حيان: لليهود شرعةٌ ومنهاج وللنصارى كذلك والمراد في الأحكام وأما المعتقد فواحدٌ لجميع الناس توحيدٌ وإِيمان بالرسل وجميع الكتب وما تضمنته من المعاد والجزاء {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لو أراد الله لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيءٌ منها الآخر {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} أي شرع الشرائع مختلفة ليختبر العباد هل يذعنون لحكم الله أم يُعرضون، فخالف بين الشرائع لينظر المطيع من العاصي {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي فسارعوا إِلى ما هو خيرٌ لكم من طاعة الله واتباع شرعه {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي معادكم ومصيركم أيها الناس إِلى الله يوم القيامة فيخبركم بما اختلفتم فيه من أمر الدين ويجازيكم بأعمالكم {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} أي أُحكم بين أهل الكتاب بهذا القرآن ولا تتّبع أهواءهم الزائفة {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أي احذر هؤلاء الأعداء أن يصرفوك عن شريعة الله فإِنهم كذَبةٌ كفرةٌ خونة {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي فإِن أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله وأرادوا غيره فاعلم يا محمد أنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض إِجرامهم {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} أي أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق منهمكون في المعاصي {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ والمعنى أيتولون عن حكمك ويبتغون غير حكم الله وهو حكم الجاهلية؟ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي ومن أعدل من الله في حكمه، وأصدقُ في بيانه، وأحكم في تشريعه لقومٍ يصدّقون بالعليّ الحكيم!!
البَلاَغَة: 1- {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} الخطاب بلفظ الرسالة للتشريف والتعظيم.
2- {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} إِيثار كلمة "في" على كلمة "إِلى" للإِيماء إِلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه وإِنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه إِلى بعضٍ آخر.
3- {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} صيغة فعّال للمبالغة أي مبالغون في سماع الكذب.
4- {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} تنكير الخزي للتفخيم وتكرير لهم {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} لزيادة التقرير والتأكيد وبين كلمتي "الدنيا والآخرة" طباقٌ.
5- {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} تعجيبٌ من تحكيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم لا يؤمنون به ولا بكتابه.
6- {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} الإِشارة بالبعيد للإِيذان ببعد درجتهم في العتو والمكابرة.
7- {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ} خطابٌ لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الإٍلتفات والأصل "فلا يخشوا".
8- {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي بادروا فعل الخيرات وفيه استعارة حيث شبهه بالمتسابقين على ظهور الخيل إِذ كل واحد ينافس صاحبه في السبق لبلوغ الغاية المقصودة.
الفَوَائِد: قال الفخر الرازي: خاطب الله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله
{ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ } [الأحزاب: 1] في مواضع كثيرة وما خاطبه بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} إِلا في موضعين أحدهما {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} والثاني في هذه السورة أيضاً وهو قوله { يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ } [المائدة: 67] وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم.
تنبيه: يقول شهيد الإِسلام "سيد قطب" طيَّب الله ثراه في تفسير الظلال ما نصه "إِن الجاهلية في ضوء هذا النص القرآني البليغ {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} هي حكم البشر للبشر وعبودية البشر للبشر ورفض أُلوهية الله والخروج من عبوديته إلى عبودية غير الله، إنه مفرق الطريق فإما حكم الله، وإما حكم الجاهلية ولا وسط ولا بديل، إما أن تنفّذ شريعة الله في حياة الناس أو ينفّذ حكم الجاهلية وشريعة الهوى ومنهج العبودية لغير الله، والجاهلية ليست فترة من الزمان ولكنها وضع من الأوضاع يوجد بالأمس واليوم وغداً والناسُ إما أنهم يحكمون بشريعة الله ويقبلونها ويسلمون بها تسليماً فهم إذاً مسلمون وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر فهم في جاهلية وهم خارجون عن شريعة الله".