خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
٢٥
إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٢٦
-الفتح

مختصر تفسير ابن كثير

يقول تعالى مخبراً عن الكفار من مشركي العرب، من قريش ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي هم الكفار دون غيرهم {وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي وأنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمر {وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} أي وصدوا الهدي أن يصل إلى محله، وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة، وقوله عزَّ وجلَّ: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} أي بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم، خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال تعالى: {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ} أي إثم وغرامة {بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم قال تبارك وتعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ} أي لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلاً ذريعاً. عن جنيد بن سبيع قال: "قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ}، قال: كنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين". وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلهم إياهم، وقوله عزَّ وجلَّ: {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} وذلك حين أبوا أن يكتبوا: بسم الله الرحمٰن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} وهي قول: لا إلٰه إلا الله، كما قال ابن جرير "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: لا إلٰه إلا الله" ، وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب إن أبا هريرة رضي الله عنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلٰه إلا الله فمن قال: لا إلٰه إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عزَّ وجلَّ" ، وأنزل الله عزَّ وجلَّ في كتابه وذكر قوماً فقال: { إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } [الصافات: 35]، وقال الله جلَّ ثناؤه: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} وهي لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله، فاستكبروا عنها واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية، فكاتبهم رسول الله صلى الله عليه سلم على قضية المدة، وقال مجاهد: كلمة التقوى الإخلاص، وقال عطاء: هي لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وقال علي رضي الله عنه: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: لا إلٰه إلا الله والله أكبر، وقال ابن عباس {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} يقول شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله وهي رأس كل تقوى، وقال سعيد بن جبير: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} لا إلٰه إلا الله والجهاد في سبيله، {وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} كان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أي هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر.
(ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقصة الصلح)
روى الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما قالا:
"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور، يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهرني الله عزَّ وجلَّ أو تنفرد هذه السالفة ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال : فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش فترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال صلى الله عليه وسلم للناس: انزلوا قالوا: يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سهماً من كنانته، فأعطاه رجلاً من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب، فغرزه فيه، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا (بديل بن ورقاء) في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد صلى الله عليه وسلم، إن محمداً لم يأت لقتال إنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحقه فاتهموهم" .
وروى البخاريرحمه الله في "صحيحه"، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة، قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً من خزاعة وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: "إن قريشاً قد جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك فقال صلى الله عليه وسلم: أشيروا أيها الناس عليّ، أترون أن نميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرباً، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فامضوا على اسم الله تعالى، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقالت الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل؛ ثم قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها، فوثبت، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضاً فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع صلى الله عليه وسلم من كنانته سهماً، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال بجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء (بديل من ورقاء) الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عبية نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عدا مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإنَّ قريشاً قد نهكتهم الحرب فأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد حموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود فقال أي قوم: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: وألست بالولد؟ قالوا بلى، قال فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له نحواً من قوله لبديل بن ورقاء، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأُخْرى فإني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: امصص بظر اللات، أنحن نفر وندعه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبا بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما كلمه أخذ بلحيته صلى الله عليه وسلم والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، وكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه، وقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، قال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ - وكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فوالله ما تنخّم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون النظر إليه تعظيماً له صلى الله عليه وسلم؛ فرجع عروة إلى أصحابه. فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهولاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلم إذ جاء سهيل بن عمرو، وقال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم. قال معمر، قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتاباً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بعلي رضي الله عنه، وقال: اكتب بسم الله الرحمٰن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمٰن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمٰن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم ثم قال: هذا ما قضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله" .
قال الزهري: "وذلك لقوله: والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلاّ أعطيتهم إياها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلاّ رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ جاء (أبو جندل) بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال. فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي، قال: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله عزَّ وجلَّ، قال عمر رضي الله عنه: فأتيت نبي الله صلى لله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى، قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذاً؟ قال صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام، قلت: لا، قال صلى الله عليه وسلم: فإنك آتيه ومطوف به، قال، فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، قال: أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك تأتيه وتطوف به" .
قال الزهري: "قال عمر رضي الله عنه: فعملت لذلك أعمالاً، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل صلى الله عليه وسلم على أُمّ سلمة رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة رضي الله عنها: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} - حتى بلغ - {بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} فطلق عمر رضي الله عنه يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأُخرى صفوان بن أُمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه (أبو بصير) رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله الآخر، فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت منه، ثم جربت فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر، حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم نجاني الله تعالى منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلاّ لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام، إلاّ اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم، لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} ـ حتى بلغ ـ {حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله ولم يقروا ببسم الله الرحمٰن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت" .
وقال الإمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه قال: "إن قريشاً صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم (سهيل بن عمرو) فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: اكتب بسم الله الرحمٰن الرحيم، فقال سهيل: لا ندري ما بسم الله الرحمٰن الرحيم، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال صلى الله عليه وسلم: اكتب من محمد رسول الله، قال: لو نعلم أنك رسول الله لأتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب من محمد بن عبد الله، واشترطوا عليه صلى الله عليه وسلم، أن من جاء منكم لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله" . وروى الإمام أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سبعين بدنة، فيها جمل لأبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها" .