التفاسير

< >
عرض
وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً
٨٣
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
٨٤
فَأَتْبَعَ سَبَباً
٨٥
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
٨٦
-الكهف

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

اختلف فيمن سأله عن هذه القصة، فقيل سألته طائفة من أهل الكتاب، وروى في ذلك عقبة بن عامر حديثاً ذكره الطبري وقيل إنما سألته قريش، حين دلتها اليهود على سؤاله عن الروح، والرجل الطواف، وفتية ذهبوا في الدهر ليقع امتحانه بذلك، و"ذو القرنين": هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني، وقد تشدد قافه، فيقال المقدوني، وذكر ابن إسحاق في كتاب الطبري أنه يوناني، وقال وهب بن منبه هو رومي، وذكر الطبري حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن ذا القرنين شاب من الروم" وهو حديث واهي السند، فيه عن شيخين من تجيب، واختلف الناس في وجه تسميته بـ {ذي القرنين}، فأحسن الأقوال أنه كان ذا ضفرتين من شعر هما قرناه، فسمي بهما، ذكره المهدوي وغيره، والضفائر قرون الرأس، ومنه قول الشاعر: [الكامل]

فلثمت فاها آخذاً بقرونها شرب النزيف لبرد ماء الحشرج

ومنه حديث في غسل بنت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت أم عطية: فضفرنا رأسها ثلاثة قرون، وكثيراً تجيء تسمية النواصي قروناً، وروي أنه كان في أول ملكه يرى في نومه أنه يتناول الشمس، ويمسك قرنين لها بيديه، فقص ذلك، ففسر أنه سيغلب على ما ذرت عليه، وسمي "ذا القرنين"، وقالت فرقة سمي "ذا القرنين" لأنه بلغ المغرب والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا، وقالت فرقة إنه بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرنيها، فسمي بذلك، أو قرني الشيطان بها، وقال وهب بن منبه: سمي بذلك لأن جنبتي رأسه كانتا من نحاس، وقال وهب بن منبه أيضاً كان له قرنان تحت عمامته.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بعيد، وقال علي بن أبي طالب: إنما سمي "ذا القرنين" لأنه ضرب على قرن رأسه فمات: ثم حيي ثم ضرب على قرن رأسه الآخر فمات، فسمي بذلك لأنه جرح على قرني رأسه جرحين عظيمين في يومين عظيمين من أيام حربه فسمي بذلك، وهذا قريب، والتمكين له في الأرض أنه ملك الدنيا، ودانت له الملوك كلها، فروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، والمؤمنان: سليمان بن داود، والإسكندر، والكافران نمرود وبخت نصر، وقوله {وآتيناه من كل شيء سبباً} معناه علماً في كل أمر، وأقيسة يتوصل بها إلى معرفة الأشياء، وقوله {كل شيء} عموم، معناه الخصوص في كل ما يمكن أن يعلمه ويحتاج إليه، وثم لا محالة أشياء لم يؤتَ منها سبباً يعلمها به، واختلف في {ذي القرنين} فقيل هو نبي، وهذا ضعيف. وقيل هو ملَك بفتح اللام، وروي عن علي بن أبي طالب أنه سمع رجلاً يدعو آخر يا ذا القرنين، فقال أما كفاكم أن تسميتم بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنه فقال
"ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب" . وقيل هو عبد ملِك بكسر اللام صالح، نصح لله فأيده، قاله علي بن أبي طالب، وقال فيكم اليوم مثله، وعنى بذلك نفسه، والله أعلم. وقوله {فأتبع سبباً} الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "فاتّبع" بشد التاء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "فأتبع" بسكون التاء على وزن أفعل، قال بعض اللغويين هما بمعنى واحد، وكذلك تبع، وقالت فرقة "أتبع" بقطع الألف: هي عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، و"اتبع" إنما يتضمن معنى الاقتفاء دون هذه القرائن، قاله أبو زيد وغيره.
قال القاضي أبو محمد: واستقرأ هذا القائل هذه المقالة من القرآن كقوله عز وجل
{ فأتبعه شهاب ثاقب } [الصافات: 10]، وكقوله { فأتبعهم فرعون } [يونس: 90] [طه: 78]، وكقولهتعالى: { فأتبعه الشيطان } [الأعراف: 175]، وهذا قول حكاه النقاش عن يونس بن حبيب، وإذا تأملت "اتّبع" بشد التاء لم تربط لك هذا المعنى ولا بد. و"السبب" في هذه الآية، الطريق المسلوكة، لأنها سبب الوصول إلى المقصد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم "في عين حَمِئة"، على وزن فَعِلة، أي ذات حُماة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون في "عين حامية"، أي حارة، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس "حمئة"، وقال معاوية "حامية"، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثاط، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن عباس: لوددت أني حضرت يا أبا العباس، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ذكر ذي القرنين: [الكامل]

قد كان ذو القرنين جدي مسلماً ملكاً تدين له الملوك ويحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حيكم مرشد
فرأى مغار الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثاط حرمد

فالخلب: الطين، والثاط: الحمأة، الحرمد: الأسد، ومن قرأ "حامئة"، وجهها إلى الحرارة، وروي عن عبد الله بن عمرو " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس وهي تغيب فقالفي نار الله الحامية، لولا ما يزعها من الله لأحرقت ما على الأرض" ، وروى أبو ذر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس عند غروبها فقال أتدري أين تغرب يا أبا ذر؟ قلت لا، قال: إنها تغرب في عين حامية" ، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة، و"حامية" هي قراءة طلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص وابنه، وابن عمر، وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين: فيقال يحتمل أن تكون العين حارة، ذات حمأة فكل قراءة وصف بصفة من أحوالها، وذهب بعض البغداديين إلى أن {في} بمنزلة عند، كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي لـ {عين حمئة} وقال بعضهم: قوله {في عين} إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها، أي هي آخر الأرض.
قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم، قال أبو حاتم: وقد يمكن أن تكون "حاميئة" مهموزة، بمعنى ذات حمأة، فتكون القراءتان بمعنى واحد، واستدل بعض الناس عل أن ذا القرنين نبي، بقولهتعالى: {قلنا يا ذا القرنين} ومن قال إنه ليس بنبي، قال كانت هذه المقالة من الله له بإلهام، و {إما أن تعذب} بالقتل على الكفر {وإما أن تتخذ فيهم حسناً} أي بالإجمال على الإيمان، واتباع الهدى، فكأنه قيل له هذه لا تعطيها إلا إحدى خطتين: إما أن تكفر فتعذبها، وإما أن تؤمن فتحسن إليها، وذهب الطبري إلى أن اتخاذ الحسن هو الأسر مع كفرهم، فالمعنى، على هذا، أنهم كفروا ولا بد فخيره الله بين قتلهم أو أسرهم، ويحتمل أن يكون الاتخاذ ضرب الجزية.
قال القاضي أبو محمد: ولكن تقسيم {ذي القرنين} بعد هذا الأمر إلى كفر أو إيمان، يريد هذا القول بعض الرد، فتأمله.